المقريزي

220

المقفى الكبير

فبلغ الشافعيّ ذلك ، فتبسّم ، وأنشأ يقول [ الطويل ] : تمنّى رجال أن أموت فإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للّذي يبغي خلاف الذي مضى * تهيّأ لأخرى مثلها فكأن قد وقد علموا لو ينفع العلم عندهم * لئن متّ ما الداعي عليّ بمخلد « 1 » [ 167 ب ] وقال الربيع : كنت عند الشافعيّ إذ جاءه رجل برقعة فقرأها ووقّع فيها . فمضى الرجل ، وتبعته إلى باب المسجد فقلت : « واللّه لا يفوتني فتيا الشافعيّ ! » فأخذت الرقعة من يده فوجدت فيها [ الطويل ] : سل المفتي المكّيّ هل في تزاور * وضمّة مشتاق الفؤاد جناح ؟ وقد وقّع الشافعيّ فيها : فقلت : معاذ اللّه أن يذهب التقى * تلاصق أكباد بهنّ جراح قال الربيع : فأنكرت على الشافعيّ أن يفتي لحدث مثل هذا ، فقلت : يا أبا عبد اللّه ، تفتي بمثل هذا لمثل هذا الشابّ ؟ فقال لي : يا أبا محمّد ، هذا رجل هاشميّ ، قد عرّس في هذا الشهر - يعني شهر رمضان - وهو حدث السنّ ، فسأل هل عليه جناح أن يقبّل أو يضمّ من غير وطء ، فأفتيته بهذا . قال الربيع : فأتيت الشابّ فسألته عن حاله ، فذكر لي أنّه مثل ما قال الشافعيّ . ( قال ) : فما رأيت فراسة أحسن منها . وقال أبو يعقوب البويطيّ : قلت للشافعيّ : قد قلت في الزهد ، فهل في الغزل شيء ؟ فأنشدني [ البسيط ] : يا كاحل العين بعد النوم بالسّهر * ما كان كحلك بالمنعوت للبصر لو أنّ عيني إليك الدهر ناظرة * جاءت وفاتي ولم أشبع من النظر سقيا لدهر مضى ما كان أطيبه * لولا التفرّق والتنغيص بالسفر إنّ الرسول الذي يأتي بلا عدة * مثل السحاب الذي يأتي بلا مطر وقال الربيع : سمعت الشافعيّ في قصّة ذكرها يقول [ الطويل ] :

--> ( 1 ) في هامش اللوحة ورد هذا التعليق : هذه الأبيات كتب بها يزيد بن عبد الملك بن مروان إلى أخيه هشام بن عبد الملك ، وقد بلغ يزيد أنّ هشاما ينتقصه . وهي : تمنّى رجال أن أموت ، وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد وقد علموا لو ينفع العلم عندهم * لئن متّ ما الداعي عليّ بمخلد لعلّ الذي يبغي رداي ويرتجي * به قبل موتي أن يكون هو الردي فما عيش من يرجو رداي بضائري * وما عيش من يرجو رداي بمخلد فقل للّذي يبغي خلاف الذي مضي * تأهّب لأخرى مثلها فكأن قد فكتب إليه هشام [ الطويل ] : ومن لا يغمّض عينه عن صديقه * وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرة * يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب والأبيات في العقد 4 / 443 ، وأمالي القالي ، ذيل 218 . وفي البصائر والذخائر ، نشر وداد القاضي ، بيروت 1988 ج 8 ص 64 ( رقم 227 ) نسبت المراسلة إلى الوليد وسليمان ابني عبد الملك . وفي الوفيات في ترجمة أشهب بن عبد العزيز 1 / 239 نسبة الأبيات مختلفة . وقد مرّت في المقفّى 2 / 122 .